فخر الدين الرازي
145
القضاء والقدر
ذكرها في الحجة الأولى . فالذي نزيده هاهنا أن نقول : لم لا يجوز أن يكون المراد كونه رضيا في الخلقة والصورة . وهو كونه تام الخلقة ، صحيح الحواس ، كامل العقل ، شديد القوة ، طلق الوجه ، حسن الصورة ، موصوفا بالأخلاق الحميدة ، محبوبا بين الناس ؟ وكل ذلك من أفعال اللّه تعالى . والجواب : إن مقدمة الآية هي قوله : يَرِثُنِي ، وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ « 1 » وهذه الوراثة هي وراثة الدين والنبوة ، لا وراثة المال . ويدل عليه وجهان : الأول : إن جمهور المفسرين قالوا بذلك . والثاني : إن عمل مبالغة الرسول المعصوم وهو زكريا عليه السلام على حفظ مصالح الدين ، أولى من عمله على حفظ مصالح الدنيا ، فثبت : أن المراد من قوله « يرثني ويرث من آل يعقوب » وراثة الدين والنبوة . ثم إنه تعالى قال بعد : وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا فوجب أن يكون مراده منه : كونه رضيا في الدين . ولأن حمل اللفظ المجمل على المذكور السابق ، أولى من حمله على الشيء الأجنبي . الحجة الخامسة : قوله تعالى : وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ : رَأْفَةً وَرَحْمَةً « 2 » ويقرب منه : قوله تعالى : وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً « 3 » ولا شك أن تلك المودة والرحمة من الطاعات العظيمة . فدل ذلك : على أن طاعات العباد مخلوقة للّه تعالى . الحجة السادسة : قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ : عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ « 4 » ونظيره قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ : عَدُوًّا . شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ « 5 » . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد منه : الحكم بكون أولئك المجرمين ، أعداء لذلك النبي ؟ فنقول : المراد : أنه تعالى لما خصص الرسل بالكرامات الفائقة ، والفضائل العظيمة ، التي بسببها يحسدهم الكفار ، ويعادونهم ، صار كأنه تعالى هو الذي جعلهم أعداء لأولئك الأنبياء ، وإليه أشار المتنبي بقوله : أزل حسد الحساد عنّي بكبتهم * فأنت الذي صيرتهم ليس حسدا « 6 » ثم الذي يدل على أنه لا بد من المصير إلى هذه التأويلات : جميع الآيات الدالة على أنه
--> ( 1 ) سورة مريم الآية 6 . ( 2 ) سورة الحديد الآية 27 . ( 3 ) سورة الروم الآية 21 . ( 4 ) سورة الفرقان الآية 31 . ( 5 ) سورة الأنعام الآية 112 . ( 6 ) ديوان المتنبي .